Monday, 18 December 2017

التمذهب العاطفي

خلال تاريخنا العربي مرت على منطقتنا أحداث جعلت الناس يغيرون من مذاهبهم الدينية تبعا لمذهب الحاكم  و الحكم الذي يسود. أبرز الأمثلة على ذلك هي الدولة الفاطمية التي حكمت مصر بين العامي ٩٧٣م و العام ١١٧١ م حيث عملت هذه الدولة على انتشار مذهبها الاسماعيلي في مصر وقامت  ببناء الأزهر لنشره و تأصيله في ربوع مصر و المناطق الأخرى التي امتد حكم الفاطميين إليها. مثال آخر ربما ظل خفيا علينا هو ما فعله الحمدانيون في حلب. حكم الحمدانيون حلب بين العامين ٩٤٤ م و العام ١٠٠٣ م و خلال حكمهم نقلوا الناس من مذهبهم الحنفي في معظمه إلى العقيدة الخصيبية الاثنى عشرية.

بعد انتهاء الدولة الحمدانية، بدأ الناس رويدا رويدا يعودون إلى مذهبهم القديم الحنفي بتشجيع مرة أخرى من الحكام الجدد بداية بالسلاجقة و انتهاء بالعثمانيين الذين أنهوا عمليا تواجد الشيعة الاثنى عشرية في حلب كمذهب كبير منتشر. تزامن تمدد العثمانيين و قضائهم على بقايا الاثنى عشرية في شمال بلاد الشام مع بداية ظهور الصفويين في إيران و تحولهم إلى المذهب الجعفري و فرضه على الناس في إيران كمذهب للدولة و للمجتمع و ما رافق ذلك من دخولهم في حروب مذهبية مع الدولة العثمانية انتهت بإنتهاء دولتهم مع بقاء التشيع الحعفري مذهبا لإيران رغم زوال الحكم الصفوي.

من خلال دراسة تعقيدات التمذهب و الانتقال من مذهب لآخر يتضح لنا جليا أن الحكم يلعب دورا مهما في نشر أي مذهب أو القضاء عليه. فمقولة الناس على دين ملوكها تنطبق حرفيا على حوادث التاريخ و تقلباته.

فالفاطميون شيعوا مصر و فرضوا مذهبهم الإسماعيلي كمذهب رسمي للدولة و بطبيعة الحال فإن تبني الدولة لمذهب يتبعه حكما إقتصار تولي المسؤوليات و المناصب على أتباع مذهب الدولة و هناك حالات تقتصر تولي المسؤليات و المناصب على مذهب فقهي ضمن المذهب كما في تبني العثمانيين للحنفية كمذهب فقهي و اقتصار تولي المسؤوليات على أتباع الحنفية دون أي مذهب سني آخر. و بزوال الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الشافعي ارتد الناس عن مذهب الدولة الفاطمية إلى مذهب الدولة الجديدة و الحكم الجديد الذي أتى به صلاح الدين الأيوبي. الثابت أن اعتناق المذاهب يتم عن طريق افتتان الناس بالسلطة و رغبتهم في الأقتراب من الحكام الجدد و تقليدهم و التشبه بهم. فالناس العوام لا يمكن أن يفهموا مثلا العقيدة الخصيبية أو الأشعرية أو القشيرية .. إلخ فهذه العقائد هي عقائد تحتاج إلى معرفة بعلم الكلام و الفلسفة لفهمها و استيعابها و هذا ما يفتقده العامة و حتى المتعلمين المختصين في علوم غير علوم الكلام. فالفرق مثلا بين الظاهر و الباطن لا يمكن أن يفسره أو يفهمه عامي لا يعرف من علم الكلام شيئا و هذا دليل على أن تمذهب الناس هو تمذهب عاطفي يجاري مذهب الدولة سواء لاتقاء اضطهادها أو رغبة في التقرب منها و صعود سلم السلطة و امتيازاتها.

مصطفى حميدو

0 comments:

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More